السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

402

مختصر الميزان في تفسير القرآن

ذكروا أن « أَعْلَمُ » إذا لم يتم بمن ربما أفاد معنى التفضيل وربما استعمل بمعنى الصفة خالية عن التفضيل ، والآية تحتمل المعنيين جميعا إن أريد حقيقة العلم بالضالين والمهتدين فهو للّه سبحانه لا يشاركه فيها أحد حتى يفضل عليه ، وإن أريد مطلق العلم أعم مما كان المتصف به متصفا بذاته أو كان اتصافه به بعطية منه تعالى كان المتعين هو معنى التفضيل فإن لغيره تعالى علما بالضال والمهتدي قدر ما أفاضه اللّه عليه من العلم . وتعدّي أعلم بالباء في قوله : « أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » يدل على أن قوله : « مَنْ يَضِلُّ » منصوب بنزع الخافض والتقدير : « أعلم بمن يضل » ويؤيده ما نقلناه آنفا من آية سورة النجم . قوله تعالى : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ لما تمهّد ما قدّمه من البيان الذي هو حجة على أن اللّه سبحانه هو أحق بأن يطاع من غيره استنتج منه وجوب الأخذ بالحكم الذي شرّعه وهو الذي يدل عليه هذه الآية ، ووجوب رفض ما يبيحه غيره بهواه من غير علم ويجادل المؤمنين فيه بوحي الشياطين إليه ، وهو الذي يدل عليه قوله : « وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ » إلى آخر الآية . ومن هنا يظهر أن العناية الأصلية متعلقة بجملتين من بين الجمل المتسقة في الآية إلى تمام أربع آيات ، وسائر الجمل مقصودة بتبعها يبين بها ما يتوقف عليه المطلوب بجهاته فأصل الكلام : فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه أي فرّقوا بين المذكى والميتة فكلوا من هذه ولا تأكلوا من ذاك ، وإن كان المشركون يجادلونكم في أمر التفريق . فقوله : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تفريع للحكم على البيان السابق ، ولذا أردفه بقوله : « إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ » والمراد بما ذكر اسم اللّه عليه الذبيحة المذكّاة . قوله تعالى : وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إلى آخر الآية ؛ بيان تفصيلي لإجمال التفريع الذي في الآية السابقة ، والمعنى : أن اللّه فصل لكم ما حرّم عليكم واستثنى صورة الاضطرار وليس فيما فصّل لكم ما ذكر اسم اللّه عليه فلا بأس بأكله وإن كثيرا